عماد الدين خليل
239
دراسة في السيرة
الحبشة ، شجاع بن وهب الأسدي إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغساني حاكم دمشق « 1 » . انطلق دحية إلى هرقل يحمل كتابا جاء فيه « بسم اللّه الرحمن الرحيم : من محمد رسول اللّه إلى هرقل عظيم الروم ، السلام على من اتبع الهدى . أما بعد ، أسلم تسلم ، وأسلم يؤتك اللّه أجرك مرتين ، وإن تتولى فإن إثم الأكارين عليك » « 2 » . ويورد محمد حميد اللّه صورة أخرى للكتاب جاء فيها « . . إني أدعوك إلى الإسلام فإن أسلمت فلك ما للمسلمين وعليك ما عليهم . فإن لم تدخل في الإسلام فاعط الجزية فإن اللّه تبارك وتعالى يقول : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ « 3 » ، وإلا فلا تحل بين الفلاحين وبين الإسلام أن يدخلوا فيه أو يعطوا الجزية » « 4 » . وهذه الصيغة أكثر انسجاما مع طبيعة الدعوة الإسلامية من الصيغة السابقة التي تكتفي بعرض الإسلام فقط دون تمييز بينه وبين الخضوع لسلطان الدولة الإسلامية بدفع الجزية والسماح للمواطنين بدفعها . وصادف أن وصل مبعوث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بلاد الشام وهرقل يحج إلى بيت المقدس في احتفال مهيب ، شكرا للّه على ما منحه إياه من نصر حاسم على أعدائه الفرس . وهناك تسلم الإمبراطور كتاب الرسول صلى اللّه عليه وسلم وقرأه . ويسرد لنا كل من ابن إسحاق والطبري نقلا عن رواتهما وبضمنهم بعض نصارى الشام ، وأبو سفيان الذي كان حينذاك في رحلة تجارية لقريش إلى الشام ، عددا من الروايات تشير إلى أن هرقل وكبير أساقفته المدعو ( صغاطر ) لما اطلعا على الكتاب قالا : إنه للنبي الذي كنا ننتظره ، لا شك فيه ، نعرفه بصفته ونجده في كتبنا باسمه . وإن صغاطر خرج على الروم وهم في الكنيسة فقال : يا معشر الروم ، إنه قد جاءنا كتاب من أحمد ، يدعونا فيه إلى اللّه عزّ وجلّ ، وإني أشهد إن لا إله إلا اللّه وأن أحمد عبده ورسوله ، فوثبوا عليه وثبة رجل واحد وضربوه حتى قتلوه . فلما عرف
--> ( 1 ) الطبري : تاريخ 2 / 644 ، خليفة بن خياط : تاريخ 1 / 41 . ( 2 ) الطبري : تاريخ 2 / 649 . ( 3 ) سورة التوبة ، الآية : 29 . ( 4 ) مجموعة الوثائق ص 110 ، وانظر المصدر نفسه ص 106 - 114 .